"التلفيق المذموم بين المذاهب طريق للانزلاق فاحذروه"

التلفيق: هو الإتيان بكيفيةٍ لا يقول بها مجتهد [انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، أد. الزحيي، 1 \ 106]، ومعناه أن يترتب على العمل بتقليد المذاهب والأخذ بمسألة واحدة بقولين أو أكثر الوصول إلى حقيقة مركبة لا يقرها أحد، ومثال ذلك: أن يقلّد شخص في الوضوء مذهب الشافعي في الاكتفاء بمسح بعض الرأس، ثم يقلد أبا حنيفة في عدم نقض الوضوء بلمس المرأة بشهوة بدون حائل، ثم يصلّي، فإنّ هذا الوضوء الذي صلّى به لم يقل به مذهب مستقل، فالشافعية يقولون بطلانه لنقضه باللمس بلا حائل، والحنفية يقولون ببطلانه لعدم مسح ربع الرأس، والمالكية والحنابلة لا يقولون بإقراره لعدم مسح جميع الرأس أو بسبب اللمس بشهوة.

حكم التلفيق:
في المسألة تفصيل: إن أفضى التلفيق إلى تقويض (هدم) دعائم الشريعة والقضاء على سياستها وحكمتها والانحلال من ربقة التكاليف الشرعية؛ فهو محظور، وأمّا إن كان يؤيد دعائم الشريعة، وما ترمي إليه حكمتها وسياستها لإسعاد الناس في الدارين بتيسير العبادات عليهم، وصيانة مصالحهم في المعاملات؛ فهو جائز إذا كانت صادرة عن اجتهاد جماعي تتوافر فيهم أهلية الاختيار ويتصفون بالتقوى والأمانة العلمية.

فلا يجوز التلفيق في المحظورات المتعلقة بحقوق الله (أو حقوق المجتمع) حفاظًا على النظام العام في الشريعة واهتمامًا برعاية المصالح العامة، كما لا يجوز التلفيق في المحظورات المتعلقة بحقوق العباد (حقوق الأشخاص الخاصة) منعًا من الاحتيال على حقوق الناس وإلحاق الضرر بهم والاعتداء عليهم.

وكذلك لا يجوز اتخاذ التلفيق ذريعة للتلاعب بأقضية الزواج والطلاق.

ولا يجوز التلفيق في العبادات المالية كالزكاة والكفارات؛ فإنها مما يجب التشديد بها احتياطًا خشية ضياع حقوق الفقراء، فلا يجوز أن يلفق من كل مذهب ما هو أقرب لمصلحة المزكي مثلا لإضاعة حق الفقير، وإنما يجب الإفتاء بالأحوط والأنسب لمصلحة الفقراء.

وبناء على ذلك نقول: التلفيق على أنواع؛ فمنه ما هو باطل لذاته، كما لو أدى إلى إحلال المحرمات كالخمر والزنا ونحوهما، ومنه ما هو محظور، لا لذاته بل لما يعرض له من العوارض، وهو ثلاثة أنواع:

* النوع الأول: تتبع الرخص عمدًا: بأن يأخذ الإنسان من كل مذهب ما هو أخف عليه بدون ضرورة ولا عذر. وهذا محظور سدًا لذرائع الفساد بالانحلال من التكاليف الشرعية، ومثال ذلك ما نراه من بعض المترخصة الذين يجمعون بين الظهر والعصر بسبب مطر متوقع النزول، وذلك تلفيقا بين مذهبي الشافعية والمالكية، حيث أنّ المذهب الأول وهم الشافعية خلافا لجمهور العلماء يقولون بجواز الجمع بين الظهر والعصر بشروط قاسية وهي نزول المطر عند تكبيرة الإحرام في الصلاة الأولى وعند التسليم منها واتصاله بأول الصلاة الثانية، بينما المالكية يمنعون الجمع بين الظهر والعصر مطلقًا ولو نزلت ثلوج وأمطار غزيرة، ويجوزونه بين المغرب والعشاء ولو لمطر متوقع النزول، فالتلفيق بين قولي الشافعية والمالكية في هذه المسألة يؤدّي إلى الانحلال من التكاليف الشرعية؛ وهي أداء الصلاة في وقتها المشروع.

ومن صور هذا التلفيق المذموم أيضًا ما نراه من بعض النّاس الذين يجمعون بين الصلوات فيما دون مسافة القصر (81 كيلو متر) تقليدًا للمالكية دون الالتزام بشروط المالكية في هذه المسألة وهي: أن تزول عليه الشمس أي يدخل وقت الظهر –إن أراد الجمع بين الظهر والعصر– في المكان الذي نزل فيه وأن ينوي الارتحال (الخروج من هذا المكان إلى مكان آخر) قبل دخول وقت العصر وأن يصل إليه بعد غروب الشمس أو بعد الاصفرار وقبل الغروب، وكذلك بالنسبة للمغرب والعشاء لا بدّ أن يدخل وقت المغرب في المكان الذي نزل فيه للراحة، وأن ينوي الارتحال منه إلى مكان آخر قبل دخول وقت العشاء، وأن يصل إليه عند الفجر (الموسوعة الفقهية – 15\284 -285).

ولست أدري كيف تقوى النفوس على المخاطرة بهذه الأمانة التي لو عرضت على السموات والأرض لأشفقن من حملها.... فلو سلّمنا جدلا بالقول بالجواز بناء على التلفيق بين الأقوال: أليس الجمهور على بطلانها؟! أليس الأخذ بالأحوط في العبادات هو الأولى بإجماع العلماء؟! بل كيف ترضى أن تكون صلاتك التي هي عامود دينك ورأس الأمر كلّه ملفقة ومركبة؟! إذا لم تردعك أخي الحبيب الفتوى –ولا أشك بدين أحد– فلتردعك التقوى والحياء من الله تعالى، ألا يسرك أن تُعرض أعمالك على الله تعالى كاملة لا يشوبها نقص ولا خلل ولا أدنى ثلمة؟!

والعجيب أنّ كثيرا ممّن يجمع بين الصلوات يظنّ أنّه بذلك أتى بقربة أو حقق سنة، وفاته أنّ الجمع بأحسن أحواله –أي فيما لو وجدت وتحققت شروطه باتفاق القائلين بمشروعيته– فإنّه خلاف الأولى، لأنّ الأصل أداء الصلاة في وقتها.

النوع الثاني: التلفيق الذي يستلزم نقض حكم الحاكم، لأن حكمه يرفع الخلاف درءًا للفوضى.
النوع الثالث: التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به تقليدًا أو عن أمر مجمع عليه لازم لأمر قلده. وهذا الشرط في غير العبادات، أما فيها فيجوز التلفيق ولو استلزم الرجوع عما عمل به أو عن أمر لازم لآخر إجماعًا، ما لم يفض إلى الانحلال من ربقة التكاليف الشرعية أو إلى الذهاب بالحكمة الشرعية باقتراف الحيل المغايرة للشريعة أو المضيعة لمقاصدها [انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، 1 \ 110].

ومثال الرجوع عن العمل: ما نقل عن الفتاوى الهندية: لو أن فقيهًا قال لامرأته: "أنت طالق البتة" وهو يرى أن الطلاق يقع ثلاثًا، فأمضى فيما بينه وبينها، وعزم على أنها حرمت عليه. ثم رأى بعدئذ أنها تطليقة رجعية، أمضى رأيه الأول الذي كان عزم عليه، ولا يردها إلى أن تكون زوجته برأي حدث من بعد.
وكذلك لو كان في الابتداء يراها تطليقة رجعية، فعزم على أنها امرأته، ثم رأى بعد أنها ثلاث، لم تحرم عليه.

ومثال الرجوع عن أمر مجمع عليه: لو قلّد رجل أبا حنيفة في عقد النكاح بلا ولي، فيستلزم العقد صحة إيقاع الطلاق، لأنها أمر لازم لصحة النكاح إجماعا، فلو طلقها ثلاثًا، ثم أراد تقليد الشافعي في عدم وقوع الطلاق لكون النكاح بلا ولي، فليس له ذلك؛ لكونه رجوعًا عن التقليد في أمر لازم إجماعًا.

ومثال الثالث: أن يتزوج رجل امرأة بغير صداق ولا ولي ولا شهود، مقلدًا كل مذهب فيما لا يقول به الآخر، فهذا من التلفيق المؤدي إلى محظور، لأنه يخالف الإجماع، فلم يقل به أحد [راجع الأمثلة في كتاب الفقه الإسلامي وأدلته، ج1\112].

جاء في قرار المجمع الفقهي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن في بندر سيري بيجران، بروناي دار السّلام من 1-7 محرّم 1414هـ الموافق 21–27 حزيران 1993م:

يكون التلفيق ممنوعا في الأحوال التالية:
أ. إذا أدّى إلى الأخذ بالرخص لمجرد الهوى، أو الإخلال بأحد الضوابط المبينة في مسألة الأخذ بالرخص (وهي ما تمّ بيانها في البند الرابع من قرار المجمع المنبثق عن الدورة المذكورة أعلاه وأذكرها على وجه الاختصار والإيجاز: ألا توصف بأنّها شاذة وأن تقوم الحاجة للأخذ بها وألاّ تكون ذريعة للوصول إلى غرض غير مشروع، وأن يكون الآخذ ذا قدرة على الاختيار أو يعتمد على من هو أهل لذلك وألا يترتب على الأخذ بها التلفيق الممنوع).
ب. إذا أدّى إلى نفق حكم القضاء.
ج. إذا أدّى إلى نقض ما عمل به تقليدًا في واقعة واحدة.
د. إذا أدّى إلى مخالفة الإجماع أو ما يستلزمه.
هـ. إذا أدّى إلى حالة مركبة لا يقرها أحد من المجتهدين.

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 18 - 12 12/13/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 24 - 10 12/12/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 22 - 11 12/11/2017 - 10:01
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 19 - 9 12/10/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 18 - 7 12/09/2017 - 10:00