بدعة إلغاء التمذهب

لا زال أعداء الأمة قديما وحديثا يحرصون حرصًا دؤوبا على تفريق صفوف الأمة وضربها من الداخل، لإحداث شرخ داخل الصفّ الواحد والبيت الواحد والمسجد الواحد والبلدة الواحدة، وليشغلوهم بذلك عن قضاياهم الكبرى ومحيطهم الخارجي، اتباعًا لسياسة "فرّق تسد".

ولتحقيق هذه المآرب والأهداف المترامية الأبعاد، وجد أولئك المتربصون بالأمة الدوائر أنّ أوسع الأبواب لنيل هذه المطالب هو إلغاء التمذهب، الذي يحافظ على هوية المسلمين وانتمائهم ويثبت أقدامهم أمام حوادث الليالي ونازلات الأيام.

وممّا يؤسف له أنّ بعض أبناء هذه الأمة –وممّن يحسبون على أهل العلم– تبنوا هذا المنهج ونشروه بحسن نية مجانًا وبلا عوض، ليفرح بذلك المستشرقون والحاقدون الذين اجتمعوا بقدّهم وقديدهم وبذلوا النفيس والرخيص لنشر فكرة إلغاء التمذهب وتقديس المذاهب الفقهية، التي أجمعت عليها الأمة وطبقت على مدار مئات السنين.

وبذلك ألغي التمذهب في الجامعات والمعاهد والكليّات، ولم يبق له ثمة أثر إلاّ في بعض المعاهد الخاصة التي لا يُعترف بوجودها وكيانها أصلا على المستوى الأكاديمي، الأمر الذي عصف بالعلم فأذهب ريحه وبهاءه وهيبته ونوره وصفاءه.

والذين يقفون وراء فكرة إلغاء التمذهب على ثلاثة أقسام:
القسم الأول، وهم الأكثر اعتدالا: يقول أتباعه بعدم وجوب التمذهب، وللمكلّف حق التخيّر من المذاهب الأربعة، شريطة عدم الخروج عنها.
القسم الثاني: يقول بعدم وجوب التمذهب وجواز الخروج عن المذاهب الأربعة لدليل أو اعتبار شرعي، ولكنّه لا يحرّم التمذهب.
القسم الثالث: يرى حرمة التمذهب، ويرى وجوب اتباع الدليل لا اجتهادات المذهب، وكأنّ المذهب بتصوره وسوء فهمه وظنه يغفل عن الأدلة أو يتغافل عنها.

إنّه من المؤسف حقًا أن نضطر إلى الخوض فيما كان الأصل أننا في غنى عن الخوض فيه، فقد عاش المسلمون قديمًا وإلى فترة قريبة، وهم يعلمون بكل بداهة ووضوح بأنّنا متمذهبون مقلّدون لمذهب السادة الشافعية، وقليل من أهلنا في هذه البلاد ممّن يقلّد الحنفية والقلة القليلة للحنابلة، وأما المالكية فلا أتباع لهم في بلادنا على حدّ علمي واطلاعي، ولا يتحول الواحد منهم عن تقليده لمذهبه طيلة حياته، إلى أن ظهرت في عصرنا فئة من أنصاف طلبة العلم الذين يدّعون بطريقة أو بأخرى إلغاء التقليد والاتباع لأحد المذاهب الأربعة تحت لحاف أو غطاء الدليل، بادعاء أنّ اتّباع الكتاب والسنة اتباع لمعصوم وأمّا اتباع المذاهب الأربعة فاتباع لغير معصوم!

وأذكر أنّني صلّيت ذات يوم في أحد المساجد، فجاء أحدهم وسألني عن حكم قنوت الفجر، فأجبته بأنّ الشافعية يستحبون ذلك، وينبغي أن توافق عُرف مسجدك، فأجابني: ما دليلك على ذلك؟ فقد سمعت أحد المشايخ عبر إحدى الفضائيات يقول بأنّه لا دليل على قنوت الفجر! فأجبته: وهل تتصور أنّ الشافعي يقول بلا دليل! فأجاب جوابا ينمّ عن جهله أو قلة أدبه: الشافعي نفسه قال إنه يصيب ويخطئ وكلٌّ يؤخذ منه ويُردّ إلا الرسول صلوات الله وسلامه عليه! عندها أدركت خطورة هذا الفكر الذي بات قاب قوسين أو أدنى من أن يقصم ظهورنا إن لم نتدارك الأمر، دعاةً وخطباء ووعاظا وفقهاء وعلماء وطلبة علم.
لقد فات هذا المسكين أنّ الشافعي وإن أخطأ إلاّ أنّه معذور بخطئه لأنّ خطأه ليس عن جهالة وإنّما عن اجتهاد، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر، وبذلك يكون من اتبع مذهب مجتهد من المجتهدين يدور بين الأجر والأجرين.

وفات هذا المسكين الذي أجزم أنّه -لا يعلم معنى الاجتهاد وضوابطه- أنّ الشافعي لا يريد بذلك أن يشكك أتباعُه باجتهاداته أو أن يثنيهم عنها وإنّما أراد بذلك أن يحفظ لغيره من المجتهدين حقهم في الاجتهاد، وأراد ألاّ يصوّر أتباعُه ومقلّدوه اجتهاده كأنّه حكم شرعي لا يحتمل الخطأ، وإنما يريد بذلك أن يصوّر بأنّ اجتهاده حكم فقهي ناتج عن اجتهاد قائم على أدلة تشريعية تحتمل الخطأ ولكن احتمال الصواب لديّه أقوى، فلا يُلزم أحد باتباعه ولكن من تبعه فإنّه مأجور وإن أخطأ بضمان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

ما معنى التمسك بالمذهب والتقيّد به؟
هل اتباع مذهب والتمسك به يعني التمسك بالشخص لا بالكتاب والسنة؟
يجيب على هذا السؤال فضيلة الشيخ العلامة محمّد سعيد رمضان البوطي –حفظه الله تعالى ورعاه- حيث يقول في كتابه "اللا مذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية" ص82: معاذ الله أن يكون في المسلمين من يقول ذلك، فالمسلمون مجمعون منذ عصر الرسالة إلى اليوم أنّ شريعة الله وحدها هي الحاكمة على النّاس وهي وحدها المنار لهم وأساس سلوكهم واقتدائهم، ولكن لما اقتضت حكمة الله وسنته في خلقه أن يتفاوت الناس في العلوم والمعارف عموما، وفي معرفة أحكام الشريعة الإسلامية خصوصا، كان لا بدّ -ليخضع الجميع لشريعة الله وقانونه– من أن يتمسك الجاهل بذيل العالم وأن يقتدي العالم بالأعلم، حتى يلتقي الجميع على صراط واحد هو صراط العزيز الحميد.
وهذه الحقيقة ماثلة حتى بالنسبة إلى اقتدائنا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنحن لا نقتدي به من حيث أنّه محمّد المتمثّل بشخصه الإنساني المجرد، وإنّما نقتدي به من حيث إنّه مبلّغ عن الله سبحانه وتعالى، ولذلك لا يقال إنّ اتباع الكتاب أولى من اتباع السنة لأنّ كلام الله أحق وأولى بالاتباع من كلام البشر أيًا كان، لأنّ موجب اتباعنا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم كونه مبلّغا عن الله عزّ وجلّ، فنحن إنّما نتبعه لذلك فقط.

متى يجب الانقطاع عن تقليد المذهب وإمامه؟
إذا وصل العالم إلى مرتبة الاجتهاد داخل المذهب بحيث يكون حافظا لجميع المذهب بكل جزئياته وتفاصيله ودقائقه واختلافاته ومُطّلعا على جميع الأدلة، وله دراية واسعة في علم الأصول واللغة والتفسير وعلوم القرآن والسنة والنحو والمنطق، فعندها يسوّغ له أن ينقطع عن تقليد إمامه ويخالفه، وهذا شرط صعب صعب قلّ من يتصف به، كما بيّن النووي – رحمه الله تعالى. [انظر: المجموع، 1 \ 64].
وهذه المرتبة قد انقطعت في المذهب الشافعي، بل في المذاهب كلّها منذ قرون عديدة، فآخر من وصل إلى هذه المرتبة الإمام السبكي في القرن السابع هجري، ولمّا أن ادعى السيوطي لنفسه هذه المرتبة في القرن التاسع هجري، وهو من هو في اللغة التفسير والفقه والمنطق والأصول والبلاغة، قامت عليه الدنيا وما قعدت.
فإذا كان النووي على علو كعبه ومرتبته العلمية لم يصل إلى مرتبة تؤهله إلى مخالفة المذهب وإنشاء قول جديد فيه، وإنّما له أن يرجّح بين أقوال المذهب بناء على دليل، وترجيحه ليس ملزما في المذهب، فهل بلغ طلبة العلم من حملة الشهادات العليا مرتبة تفوق الإمام النووي؟! إنّ هذا لأمر عجاب!!
ماذا يحدث لو انساب النّاس جميعا في بيداء اللا مذهبية؟ وما هي شروط الأخذ عن المعاصرين وتلقي العلم عنهم؟ وما هي شروط وضوابط الخروج عن المذهب؟ وما هي خطورة التنقل بين المذاهب الأربعة؟ وما حكم الخروج عن المذاهب الأربعة؟ هذا ما سنبيّنه في الحلقات القادمة إن بقي في العمر بقية.

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 17 - 11 11/23/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 16 - 10 11/22/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 17 - 12 11/21/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 21 - 12 11/20/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 22 - 13 11/19/2017 - 10:00