ليلة القدر - فضلها وحكمها وخصائصها وعلاماتها

د. حسين وليدفضل بعض الأزمنة على بعض

قال تعالى:ٍ{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ...}القصص:68.

أجمع الفقهاء على أن بعض الأزمنة أفضل من بعض بما أودع الله سبحانه وتعالى فيها من فضله، وما يقع فيها من إكرامه لعباده، لا بصفات قائمة فيها؛ لأن الأزمان في الأصل متساوية ومتماثلة.

فاختار الله من الأيام العشر الأول من ذي الحجة وفضلها على غيرها، وجعل يوم الجمعة خير يوم طلعت فيه الشمس، ومن الشهور رمضان وفضله على سائر الشهور، ومن الليالي ليلة القدر. 

 

سبب التسمية

ليلة القدر ليلة عظيمة جليلة، تفوق كل ليالي السنة في الفضل، وقد وردت خمسة أقوال في سبب التسمية:

احداها: أنها ليلة العظمة، يقال: لفلان قدر أي منزلة وعظمة. قاله الزهري، ويشهد له قوله تعالى:{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}الزمر:67}.

الثاني: أنه الضيق. أي هي ليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة الذين ينزلون. قاله الخليل بن أحمد، ويشهد له قوله تعالى:{ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}الطلاق:7.

الثالث: أن القدر الحُكم؛ لأن الأشياء تقدر فيها. قاله ابن قتيبة، ويشهد له قوله تعالى:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}الدخان:4.

الرابع: لأن من لم يكن له قدر صار بمراعاتها ذا قدر. قاله أبو بكر الوراق.

الخامس: لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، وينزل فيها رحمة ذات قدر، وملائكة ذو قدر. حكاه شيخ ابن الجوزي علي بن عبيد الله.

ولا مانع من اجتماع كل هذه المعاني لليلة القدر فهي ليلة القضاء والحكم وليلة التدبير وليلة الشأن العظيم والشرف الرفيع.

السبب في تشريع ليلة القدر

عن مجاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لَبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، قال: فَعَجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله عز وجل:{ إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ }، التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر.

وعن مجاهد أيضا قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ }، أي قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل.

وعن علي بن عروة قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أربعة من بني إسرائيل، عبدوا الله ثمانين عامًا، لم يَعْصوه طرفة عين: فذكر أيوب، وزكريا، وحزْقيل بن العجوز، ويوشع بن نون، قال: فعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، عَجِبَتْ أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة، لم يَعْصُوه طرفة عين؛ فقد أنزل الله خيرًا من ذلك. فقرأ عليه:{ إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك. قال: فَسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه.{انظر: تفسير ابن كثير(8/448)}.

خصائص ليلة القدر

لليلة القدر خصائص جليلة وميزات عظيمة، وهي:

أولاـ نزل فيها القرآن، قال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}القدر:1.

الهاء في لفظة " أَنْزَلْنَاهُ" تعود إلى القرآن، ومعنى نزول القرآن في ليلة القدر أنه فصل من اللوح المحفوظ ونزل إلى بيت العزة في السماء الدنيا. قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزّة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وابتداء نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم كان أيضا في ليلة القدر.

ثانياـ ليلة مباركة، قال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}الدخان:3.

تبين سابقا أن القرآن نزل في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، وابتداء نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم كان أيضا فيها، وفي هذه الآية يصف المولى عز وجل الليلة التي نزل بها القرآن بأنها مباركة، مما يعني أن ليلة القدر ليلة مباركة. أي يبارك الله فيها لعباده:1ـ فيضاعف لهم رحماته. 2ـ ويزيد لهم في ثواب أعمالهم. 3ـ يستجيب فيها دعاء من دعاه. 4ـ يزيد من غفرانه لعباده.

ثالثا: تقدر فيها الأمور، قال تعالى:{ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وقوله:{ حكيم } أي: محكم لا يبدل ولا يغير؛ ولهذا قال:{ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا}أي: جميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه.

رابعا: ليلة خير من ألف شهر ليس فيها ليلة من ليالي القدر، قال تعالى:{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}القدر:3.وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: لما حضر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خَيرَها فقد حُرم".{ورواه النسائي}.

والألف شهر تعادل ما يقارب ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر(83،3)، وهذا عمر قل من يبلغه، فكيف بمن يعبد الله فيه.

خامساـ تنزل الملائكة فيها إلى الأرض ومعهم جبريل عليهم السلام، قال تعالى:{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}القدر:4. قال أبو هريرة:الملائكة ليلة القدر في الأرض أكثر من عدد الحصى.

وكلمة "تنزل" بهذه الصيغة توحي بأن نزول الملائكة في هذه الليلة يحصل بشكل متتابع متلاحق على أفواج، ولا يحصل دفعة واحدة، وربما ينزل فوج منهم بعد أن ينصرف فوج نزل قبله منهم وشهد موسم الخير، وأدى فيه وظيفة أو رسالته التي أرسل بها.

عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا كان ليلة القدر نزل جبريل عليه السلام في كبكبة (جماعة) من الملائكة يصلون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل، فإذا كان يوم عيدهم، يعني يوم فطرهم، باهى بهم ملائكته، فقال: يا ملائكتي ما جزاء أجير وفى عمله ؟ قالوا: ربنا جزاؤه أن يوفى أجره. قال: ملائكتي عبيدي وإمائي قضوا فريضتي عليهم، ثم خرجوا يعجون إلي بالدعاء، وعزتي وجلالي وكرمي وعلوي وارتفاع مكاني لأجيبنهم، فيقول: ارجعوا فقد غفرت لكم وبدلت سيئاتكم حسنات، قال: فيرجعون مغفورا لهم"{رواه البيهقي في شعب الإيمان}.

سادساـ ليلة لا غضب فيها ولا شحناء ولا خصومة، سالمة من كل مكروه، قال تعالى:{سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}القدر:5.

قال مجاهد:هي سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا أو يعمل فيها أذى. وقال الشعبي: تسلم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد، حتى يطلع الفجر.

فهذه الليلة ليلة أمن شامل، لا غضب فيها ولا انتقام، ولا تلاحي ولا خصام، وهي تدور مع الأرض بحسب مشارق الأرض ومغاربها.

{انظر: شعب الإيمان للبيهقي(8/231)، زاد المسير لابن الجوزي(6/179)، تفسير ابن كثير(8/448)}.

تحديد ليلة القدر

ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وهي على التحديد في الليالي الوترية أي ليلة إحدى وعشرين، أو ليلة ثلاث وعشرين أو ليلة خمس وعشرين أو ليلة سبع وعشرين أو ليلة تسع وعشرين. وأخص هذه الليالي وأرجاها هي ليلة سبع وعشرين.

قال ابن حجر العسقلاني في الفتح (6/306) بعد أن ذكر ستة وأربعين قولا في ليلة القدر:"هَذَا آخَر مَا وَقَفَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَقْوَال وَبَعْضهَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى بَعْض، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرهَا التَّغَايُر، وَأَرْجَحهَا كُلّهَا أَنَّهَا فِي وِتْرٍ مِنْ الْعَشْر الْأَخِير، وَأَنَّهَا تَنْتَقِل كَمَا يَفْهَم مِنْ أَحَادِيث هَذَا الْبَاب، وَأَرْجَاهَا أَوْتَار الْعَشْر، وَأَرْجَى أَوْتَار الْعَشْر عِنْد الشَّافِعِيَّة لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاث وَعِشْرِينَ عَلَى مَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَعَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ، وَأَرْجَاهَا عِنْد الْجُمْهُور لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ".

والذي يدل على أن ليلة السابع والعشرين أرجى وأخص ما يلي:

1ـ ما جاء عن زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ قال سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ، أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بِالْعَلَامَةِ أَوْ بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا"{رواه مسلم}

قَالَ أُبَيٌّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ:"وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهَا، وَأَكْبَرُ عِلْمِي هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِيَامِهَا هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ"{رواه مسلم}.

2ـ روى مسلم في أفراده من حديث ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من كان متحرياً فليتحرها ليلة سبع وعشرين"، يعني: ليلة القدر.

3ـ وَرَوَى مُسْلِم أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ:تَذَاكَرْنَا لَيْلَة الْقَدْر فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"أَيّكُمْ يَذْكُر حِين طَلَعَ الْقَمَر كَأَنَّهُ شِقّ جَفْنَة(أي يكون القمر فيها على شكل نصف الجفنة وهو الطست أو الإناء، دلالة على أن ليلة القدر تكون في آخر الشهر؛ لأن القمر لا يكون كذلك إلا في آخر الشهر)؟ قَالَ أَبُو الْحَسَن الْفَارِسِيّ: أَيْ لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ فَإِنَّ الْقَمَر يَطْلُع فِيهَا بِتِلْك الصِّفَة".

4ـ وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود:"سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَة الْقَدْر فَقَالَ: أَيّكُمْ يَذْكُر لَيْلَة الصَّهْبَاوَات؟ قُلْت: أَنَا، وَذَلِك لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ ".{احتج به ابن حجر في الفتح (6/306)}

5ـ وعَنْ اِبْن عُمَر عِنْد مُسْلِم:"رَأَى رَجُل لَيْلَة الْقَدْر لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ". وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيثه مَرْفُوعًا"لَيْلَة الْقَدْر لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ".

6ـ النصوص العامة الواردة في ليلة القدر مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ".{رواه البخاري}. وقوله:"تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ".{رواه البخاري}. تخصص بالأحاديث السابقة والتي عينت ليلة القدر باليلة السابعة والعشرين.

7ـ الدليل الاعتباري أو العقلي:

روي عن ابن عباس: أنه استدل على ذلك بشيئين:

أحدهما: أنه قال: إن الله تعالى خلق الإنسان على سبعة أصناف أي أطوار، يشير إلى قوله تعالى:{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة }[المؤمنين:12]الآيات. ثم جعل رزقه في سبعة أصناف يشير إلى قوله تعالى:{أنا صببنا الماء صباً}[عبس:25] ثم تصلى الجمعة على رأس سبعة أيام، وجعل السموات سبعاً، والأرضين سبعاً، والمثاني سبعاً، فلا أرى ليلة القدر إلا ليلة السابعة وعشرين.

والثاني: أنه قال: قوله تعالى:{سلام} هي الكلمة السابعة والعشرون، فدل على أنها كذلك.

وَاسْتَنْبَطَ بَعْضهمْ ذَلِكَ فِي جِهَة أُخْرَى فَقَالَ:لَيْلَة الْقَدْر تِسْعَة أَحْرُف وَقَدْ أُعِيدَتْ فِي السُّورَة ثَلَاث مَرَّات فَذَلِك سَبْع وَعِشْرُونَ، وهذا تنبيه على ذلك.

{انظر: زاد المسير(6/179)، انظر: الفتح الباري(6/306)}

وفي هذا المقام يجب تنبيه المسلم أن هناك نصوص أخرى تدل على أنها في غيرليلة السابع والعشرين، ولكني اخترت هذه الأحاديث والآثار لقوتها؛ ولأن النصوص تحتمل التأويل الذي يصب في المآل فيما عيناه سابقا.

ومع ذلك على المسلم أن يجد في جميع العشر الأواخر ولا يكل ولا يفتر لاحتمال الخطأ في أول الشهر، فيكون الفردي زوجيا، والزوجي فرديا.

الحكمة من إخفائها وعدم التصريح بها

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ:"خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ"{رواه البخاري}.

والحكمة من إخفائها ليتحقق اجتهاد العباد في ليالي رمضان طَمَعاً منهم في إدراكها ولِيَقَع الْجِدُّ فِي طَلَبهمَا، كما أخفى ساعة الجمعة، وساعة الليل، واسمه الأعظم، والصلاة الوسطى، والوليُّ في الناس. قال ابن حجر في الفتح الباري (1/78):" فِي الرَّفْع خَيْرٌ مَرْجُوّ لِاسْتِلْزَامِهِ مَزِيد الثَّوَاب؛ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الِاجْتِهَاد فِي اِلْتِمَاسهَا، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". وقال أيضا في موضع آخر:"قَالَ الْعُلَمَاء: الْحِكْمَة فِي إِخْفَاء لَيْلَة الْقَدْر لِيَحْصُل الِاجْتِهَاد فِي اِلْتِمَاسهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ عُيِّنَتْ لَهَا لَيْلَةٌ لَاقْتُصِرَ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ نَحْوه فِي سَاعَة الْجُمُعَة".

ومعنى قوله:"فَرُفِعَتْ"، أَيْ فَرُفِعَ تَعْيِينهَا عَنْ ذِكْرِي، رفع وقتها والعلم بها وتحديدها لا أنها نسخت كما يزعم بعض الشيعة. لذلك جاء في رواية أخرى:"إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا".

وقد كَذَب من قال أَنَّهَا رُفِعَتْ أَصْلًا وَرَأْسًا، فعَنْ عَبْد اللَّه بْن يَحْنَس قُلْت لِأَبِي هُرَيْرَة:زَعَمُوا أَنَّ لَيْلَة الْقَدْر رُفِعَتْ؟ قَالَ:"كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ". وذَكَرَ الْحَجَّاج لَيْلَة الْقَدْر في يوم فَكَأَنَّهُ أَنْكَرَهَا، فَأَرَادَ زَرّ بْن حُبَيْشٍ أَنْ يُحَصِّبَهُ فَمَنَعَهُ قَوْمه.{انظر: فتح الباري(6/306)}

كيف كانت عبادة النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ.{متفق عليه}. وَفِي رِوَايَة:كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِد فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر مَا لَمْ يَجْتَهِد فِي غَيْره.

قَوْلهَا:(أَحْيَا اللَّيْل) أَيْ: اِسْتَغْرَقَهُ بِالسَّهَرِ فِي الصَّلَاة وَغَيْرهَا، وكانت سنته صلى الله عليه وسلم الاعتكاف في العشر الأواخر، روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ.وعند مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا.{رواه البخاري}

قَالَ اِبْن بَطَّال: مُوَاظَبَتُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الِاعْتِكَاف تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَقَدْ رَوَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّهُ كَانَ يَقُول: عَجَبًا لِلْمُسْلِمِينَ، تَرَكُوا الِاعْتِكَاف، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتْرُكْهُ مُنْذُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ.

{انظر: الفتح الباري(6/343)}.

وَقَوْلهَا:(وَأَيْقَظَ أَهْله) أَيْ:أَيْقَظَهُمْ لِلصَّلَاةِ فِي اللَّيْل وَجَدَّ فِي الْعِبَادَة زِيَادَة عَلَى الْعَادَة. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيث زَيْنَب:"لَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَان عَشْرَة أَيَّام يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَهْله يُطِيق الْقِيَام إِلَّا أَقَامَهُ".

واِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى (شَدَّ الْمِئْزَر) فَقِيلَ: هُوَ الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَات زِيَادَة عَلَى عَادَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْره، وَمَعْنَاهُ: التَّشْمِير فِي الْعِبَادَات، يُقَال: شَدَدْت لِهَذَا الْأَمْر مِئْزَرِي، أَيْ: تَشَمَّرْت لَهُ وَتَفَرَّغْت، وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَة عَنْ اِعْتِزَال النِّسَاء لِلِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَاتِ.

لذا يُسْتَحَبّ أَنْ يُزَاد مِنْ الْعِبَادَات فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان، وَاسْتِحْبَاب إِحْيَاء لَيَالِيه بِالْعِبَادَاتِ.{انظر: شرح النووي على مسلم(4/208)}

علامات ليلة القدر

وَرَدَ لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلَامَاتٌ جميعها ظنية، وبعضها وصف لليلة التي وقعت فيها، مِنْهَا:

1ـ تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها:

فِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنْ أُبَيّ بْن كَعْبٍ:"أَنَّ الشَّمْس تَطْلُع فِي صَبِيحَتهَا لَا شُعَاعَ لَهَا" وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثه"مِثْل الطَّسْت" وَنَحْوه لِأَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي عَوْن عَنْ اِبْن مَسْعُود وَزَادَ "صَافِيَة".

2ـ ليلة معتدلة لا حارة ولا باردة:

روى ابن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثه مَرْفُوعًا:"لَيْلَة الْقَدْر طَلْقَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تُصْبِح الشَّمْس يَوْمهَا حَمْرَاءَ ضَعِيفَةٌ"{حسنه الألباني}. وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت مَرْفُوعًا:"إِنَّهَا صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا، سَاكِنَةٌ صَاحِيَةٌ لَا حَرَّ فِيهَا وَلَا بَرْدَ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ يُرْمَى بِهِ فِيهَا، وَمِنْ أَمَارَاتِهَا أَنَّ الشَّمْسَ فِي صَبِيحَتهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ مِثْل الْقَمَر لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَلَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُج مَعَهَا يَوْمَئِذٍ" وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود أَيْضًا:"أَنَّ الشَّمْس تَطْلُع كُلَّ يَوْمٍ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَان، إِلَّا صَبِيحَةَ لَيْلَة الْقَدْر". وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيث جَابِر مَرْفُوعًا فِي لَيْلَة الْقَدْر :"وَهِيَ لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ ، تَتَّضِحُ كَوَاكِبُهَا وَلَا يَخْرُجُ شَيْطَانُهَا حَتَّى يُضِيءَ فَجْرُهَا". وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مُجَاهِدٍ:"لَا يُرْسَل فِيهَا شَيْطَان، وَلَا يَحْدُثُ فِيهَا دَاءٌ".

3ـ بعض النصوص تقول أنها كانت في ليلة مطر وريح:

منها ما روى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيث جَابِر بن سَمُرَةَ مَرْفُوعًا:"لَيْلَة الْقَدْر لَيْلَة مَطَر وَرِيح".

4ـ يطلع القمر فيها مثل شق جفنة أي مثل نصف الطست:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:"أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ وَهُوَ مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ"{رواه مسلم}

قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا إِنَّمَا تَكُون فِي أَوَاخِر الشَّهْر؛ لِأَنَّ الْقَمَر لَا يَكُون كَذَلِكَ عِنْد طُلُوعه إِلَّا فِي أَوَاخِر الشَّهْر.{انظر: شرح النووي على مسلم(4/200)}.

5ـ قد يكشف الله عز وجل ليلة القدر لبعض عباده الصالحين برؤيا أو آية ونحو ذلك من الكرامات.

قال النووي في شرحه على الصحيح(4/200):"وَاعْلَمْ أَنَّ لَيْلَة الْقَدْر مَوْجُودَة كَمَا سَبَقَ بَيَانه فِي أَوَّل الْبَاب، فَإِنَّهَا تُرَى، وَيَتَحَقَّقهَا مَنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مِنْ بَنِي آدَم كُلّ سَنَة فِي رَمَضَان كَمَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَحَادِيث السَّابِقَة فِي الْبَاب، وَإِخْبَار الصَّالِحِينَ بِهَا وَرُؤْيَتهمْ لَهَا أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَر، وَأَمَّا قَوْل الْقَاضِي عِيَاض: عَنْ الْمُهَلَّب بْن أَبِي صُفْرَة لَا يُمْكِن رُؤْيَتهَا حَقِيقَة، فَغَلَط فَاحِش، نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرّ بِهِ. وَاَللَّه أَعْلَم".

علامات لا أصل لها أو بحاجة إلى تحقيق

1ـ إِنَّ الْمِيَاهَ الْمَالِحَةَ تَعْذُبُ تِلْكَ اللَّيْلَة.

2ـ أَنَّ الْأَشْجَارَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة تَسْقُط إِلَى الْأَرْض ثُمَّ تَعُودُ إِلَى مَنَابِتِهَا.

3ـ أن الكلاب لا تنبح فيها.

4ـ أن النور يكون في كل مكان حتى في الأماكن المظلمة.

{انظر: فتح الباري(6/301)}

إعداد: د. حسين وليد – محاضر في كلية الدعوة والعلوم الاسلامية وعضو المجلس الاسلامي للافتاء

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 19 - 12 12/14/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 18 - 12 12/13/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 24 - 10 12/12/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 22 - 11 12/11/2017 - 10:01
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 19 - 9 12/10/2017 - 10:00