سلاطين العلماء وعلماء السلاطين (1)

الشيخ رائد صلاح , رئيس الحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني

لقد حمل علومَ الإسلام صنفان من الناس؛ أما الصنف الأول فهم (سلاطين العلماء)، وهم قناديل الهدى الذين لا يزالون منذ عصر الصحابة رضي الله عنه وحتى الآن يبددون ظلمات الفتن ويحقون الحق ويزهقون الباطل ويسقطون القناع عن كل وجه مزيف سولت له نفسه أن يتخفى – زورًا وبهتانًا – بالإسلام ليتاجر تجارة دنيوية بالإسلام!! وبئست التجارة!! وهذا الصنف الأول هم الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين)، وهم الذين لا يزالون يتصدرون زحوف الجهاد صابرين في وجه أي احتلال داخلي أو خارجي يحمل العداء الظاهر أو الباطن للإسلام والمسلمين وللعروبة والعرب.
وأما الصنف الثاني فهم (علماء السلاطين) الذين روى فيهم الضحاك بن قيس رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، فتن كقطع الدخان، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع فيها أقوام خلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا)!! وما أصدق وأدق هذا الوصف النبوي لعلماء السلاطين في هذا الحديث النبوي الشريف، فهم الذين ماتت قلوبهم فباتوا يرون المنكر ولا يتجرأون أن يغيروه بأيديهم ولا بألسنتهم ولا حتى بقلوبهم!! ولأنها ماتت قلوبهم فكأنها ماتت أجسادهم، حيث أصبحت مأمورة منفذة لأوامر السلاطين الجائرين، وكأنها أصبحت كالرجل الآلي الذي لا إرادة له ولا اختيار، بل يتكلم أو يصمت وفق البرنامج الذي وُضع فيه!! وإذا تلكم فلا يتكلم بما يشاء بل وفق البرنامج الذي وُضع فيه!! ولأنها ماتت قلوب هؤلاء الصنف الثاني الذين رضوا لأنفسهم أن يكونوا (علماء سلاطين)، والذين رضوا لعلمهم أن يكون في خدمة السلاطين الجائرين، وغاب عنهم أن أفضل الجهاد هو كلمة حق عند سلطان جائر، لأنهم رضوا لأنفسهم بذلك فقد رضوا لأنفسهم أن يبيعوا دينهم بعرض من الدنيا!! ورضوا لأنفسهم أن تكون فتواهم تحت طلب السلطان الجائر ووفق المقاس الذي يطلبه السلطان الجائر، حتى لو أحلوا الحرام وحرموا الحلال، وحتى لو استباحوا سفك دماء المظلومين الأبرياء وبيع الأوطان وحصار المقدسات وحرقها وقتل من فيها، وحتى لو استباحوا تصديق الكاذب وتكذيب الصادق وتأمين الخائن وتخوين الأمين!! ولذلك فقد بات واضحًا لكل عاقل أن (الربيع العربي) قد أحدث، على المكشوف، حالة من التمايز بين سلاطين العلماء وعلماء السلاطين!!
ولقد بات واضحًا جليًا أن من دوافع انحراف علماء السلاطين في هذه الأيام هو اجتماع حب المال والمنصب والشهرة والإعلام والدنيا في قلوبهم!! ولقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الورطات الفاتنة التي قد تميت القلب وتُذْهِب الدين!! فعن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال). فهذا تحذير صارخ وصريح وشديد اللهجة من فتنة المال!! وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله، فقال: (إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها). فهذا خطاب واضح يبدي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفه علينا من زهرة الدنيا وزينتها!! وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه سيصيب أمتي داء الأمم)، قالوا: يا رسول الله: وما داء الأمم؟ قال: (الأشر، والبطر، والتكاثر، والتنافس في الدنيا، والتباغض، والتحاسد، حتى يكون البغي، ثم يكون الهرج) والهرج هو القتل. وهذا يعني أن زيغ قلوب بعض العلماء نحو الدنيا، سيجعل قلوبهم تزيغ نحو البغي والبغاة، حتى يصل بهم الأمر أن يدبجوا الفتوى تلو الفتوى لكل سلطان جائر استباح قتل الأبرياء وحرق جثثهم في الميادين العامة!!
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ذئبان ضاريان جائعان باتا في زريبة غنم أغفلها أهلها يفترسان ويأكلان بأسرع فيها فسادًا من حب المال والشرف في دين المرء المسلم). فهذا خطاب نبوي يكشف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خطورة حب الشرف، بمعنى حب الشهرة والمنصب والألقاب الفخرية والأوسمة السلطانية، وحب الإعلام والأضواء والكاميرات والظهور المستديم في الفضائيات، وحب تهافت الخلق وإقبالهم ولهجهم بالمديح والثناء والإعجاب والإطراء، فإن كل هذه الأماني هي من مفردات حب الشرف الذي قد يفسد دين المرء المسلم كما بيّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث النبوي الشريف!! ولكن كل هذه الدوافع المغرية التي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم ستؤدي في المحصلة إلى التمايز بين سلاطين العلماء الذين انتصروا على كل هذه الدوافع المغرية وبين علماء السلاطين الذين خضعوا لهذه الدوافع المغرية. وفي ذلك يقول أبو ثعلبة رضي الله عنه في حديث مرفوع: (أبشروا بدنيا عريضة تأكل إيمانكم، فمن كان منكم يومئذ على يقين من ربه، أتته فتنة بيضاء مسفرة، ومن كان منكم على شك من ربه، أتته فتنة سوداء مظلمة، ثم لم يبال الله في أي الأودية سلك). فما أوضح هذا الحديث المرفوع الذي يصنف العلماء إلى صنفين لا ثالث لهما؛ الصنف الأول هم سلاطين العلماء الذين هم على يقين من ربهم والذين تأتيهم الفتنة بيضاء مسفرة فلا يقعون فيها ولا يتساقطون فيها كما يتساقط الفراش في النار. والصنف الثاني هم علماء السلاطين الذين هم على شك من ربهم، والذين تأتيهم الفتنة سوداء مظلمة، فما أسرع أن يقعوا فيها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!!
ولذلك لا عجب اليوم أن نرى سلاطين العلماء وأن نرى مواقفهم!! ولا عجب اليوم كذلك أن نرى علماء السلاطين وأن نرى مواقفهم في هذه المرحلة المصيرية التي تمر بالأمة المسلمة والعالم العربي، وتحديدًا بعد بدايات الربيع العربي!! ولذلك وجدنا من سلاطين العلماء في هذه الأيام المواقف المشرقة التي انتصرت لشرعية الأمة المسلمة والعالم العربي، وعلى سبيل المثال:
1. هناك العشرات من العلماء الأزهريين الصادقين الذين استشهدوا في ميدان رابعة العدوية انتصارًا للشرعية المصرية وإزهاقًا لانقلاب السيسي وزبانيته.
2. هناك الآلاف من العلماء السوريين الذين انضموا إلى الثورة السورية التي قامت لتحرير سوريا من الإرهابي بشار وزبانيته، وقد أصبح هؤلاء العلماء المجاهدون ما بين شهيد وطريد وشريد.
3. هناك الآلاف من العلماء العراقيين الذين لا يزالون يجاهدون من أجل تحرير العراق من الاحتلال الأمريكي واحتلال المالكي وزبانيته، ولا زلنا نسمع حتى اليوم عن أسماء علماء لا يزالون يستشهدون حتى الآن في ميادين الجهاد الممتدة في رحاب العراق، أو لا يزالون يستشهدون في سجون المالكي.
4. هناك الآلاف من العلماء الذين تقدموا زحوف الثائرين في ثورة الربيع العربي في تونس وليبيا واليمن، ومنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
5. وهناك الآلاف من العلماء الذي لا يزالون يجودون بأرواحهم إحقاقًا للحق ودفاعًا عن بيضة أرض الأمة المسلمة والعالم العربي وانتصارًا للقدس والمسجد الأقصى وأكنافهما.
6. لا أبالغ إذا قلت إننا نعلم القليل عن أسماء هؤلاء العلماء الشهداء، وأما غالبيتهم فلا نعلم أسماءهم. ولكن إن كنا لا نعلم أسماءهم فإن الله تعالى يعلم أسماءهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم.
7. وهناك جبهة علماء الأزهر التي لم يخرس صوتها رصاص السيسي ولا معتقلاته ولا بلطجيته، بل جهرت بالحق وهي تعلم أن كل كلمة تصرح بها قد تقودها إلى حبال المشانق. ومع ذلك أصدرت بيانًا في تاريخ 2013/11/24 ترد فيه على كل علماء السلاطين مهما كانت أسماؤهم أو مناصبهم؛أولئك الذين أصدروا الفتاوى التي استباحت إراقة دماء الشعب المصري، حيث قالت جبهة علماء الأزهر في بيانها ما يلي: (القتل عمدًا محرم أشد التحريم، وإن من أهم الأحكام الشرعية فيها عدم سقوط المسؤولية عنها بالتقادم، ولا تقبل فيها الدعاوي الباطلة... أو دعوى طاعة الأوامر الصادرة من الرؤساء أو الحكام). وأكدت جبهة علماء الأزهر في هذا البيان أن (كل هذه – أي تلقي أوامر عليا – وأمثالها دعاوي باطلة، لا تغني عن القاتل شيئًا في دين الله تعالى).
8. وهناك (الدكتور عجيل النشمي) رئيس رابطة علماء الشريعة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لم يخرس صوته انحياز بعض دول الخليج بقدها وقديدها إلى السيسي وزبانيته، بل نشر مقالًا في جريدة (الوطن) الكويتية في تاريخ 2014/1/6 يؤكد فيه عدم شرعية السيسي للولاية أو الطاعة أو الانضواء تحت حكمه. ومن ضمن ما قال في ذاك المقال ما يلي: (إن هناك سبعة شروط مطلوب تحقيقها في المتغلب الذي يجب الدخول في طاعته ليس منها ما يتحقق للسيسي. ثم أكد النشمي في هذا المقال أنه من الواجب تطبيق الحد على السيسي بدلًا من طاعته، لأنه وفق قول النشمي في هذا المقال: (ينطبق عليه ما ينطبق على الخوارج الذين يخرجون على حاكم يحكم بشرع الله).
9. وهناك البيان الختامي للقاء العلمي الأول لرابطة علماء أهل السنة والذي صدر في تاريخ 2014/2/3، حيث أكدوا فيه بلا تردد ولا تلعثم ولا خوف في الله من لومة لائم ما يلي: (... سادسًا: تؤكد الرابطة على ما سبق بيانه من أن ما حصل في مصر – أي انقلاب السيسي وزبانيته – هو انقلاب وخروج على الحاكم الشرعي، تجب مقاومته والتصدي له بكل الوسائل الشرعية... ، ثامنًا: يتابع العلماء باهتمام بالغ ما يجري على أرض تركيا العزيزة، ويثمنون الإنجازات الحضارية التي حققها الشعب التركي في الفترة الوجيزة الماضية، والدور الريادي لقيادتهم في نصرة قضايا الشعوب الإسلامية وحرياتهم... ، تاسعًا: إن ما يرتكبه النظام الحاكم في سوريا طوال السنوات الثلاث الماضية وإلى الآن، هو جريمة يتحمل وزرها هذا النظام، وكل من يتآمر معه أو يسكت على جريمته، وإن جهاد الشعب السوري وتضحياته الغالية مشروعة، ولن تضيع هباءً بإذن الله تعالى... ، عاشرًا: ينظر العلماء نظرة تأييد ومؤازرة إلى إخواننا في العراق، وقيامهم بواجب عظيم في التصدي للظلم والبغي، والوقوف في وجه المشروع الصفوي الإجرامي، ويطالبونهم بالصبر والثبات واستمرار الجهاد... ، الحادي عشر:... يدعون أهل فلسطين لمزيد من الصبر والثبات والاستمساك بالحل المحقق... للنصر على العدو ورد كيده، ويدعون الأمة جمعاء إلى نصر فلسطين وحماية المسجد الأقصى وأهله... ، الثاني عشر:... يجب على الأمة جمعاء أن تنفر لنصرة إخوانهم – أي في بورما – وحمايتهم ودعمهم بكل ما يستطاع... ، الثالث عشر: يدعو العلماء الشعب الليبي إلى ضرورة حماية الأهداف والمقاصد التي حققوها بعد قيام ثورتهم وزوال الطاغوت... مع ضرورة اجتماع الكلمة في مواجهة الثورة المضادة والتمسك بحبل الله المتين، وحسن التوكل على الله... ، الرابع عشر: إن ما حصل في تونس واليمن من توافق... يعتبر من الأمور الإيجابية ويدعو المجتمعون أهل البلدين إلى الحرص على اجتماع الكلمة ونبذ الفرقة، وإلى العمل مستقبلًا على تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية).
10. أما عن مواقف علماء السلاطين فسأتحدث عنها في المقالة القادمة بإذن الله تعالى، وسلفًا أقول يا حيف على من عادى سلاطين العلماء ووالى علماء السلاطين، يا حيف.. يا حيف.. يا حيف.

الشيخ رائد صلاح , رئيس الحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني

إضافة تعليق جديد

اتبعونا على تويتر

درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 28 - 17 10/17/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 23 - 17 10/16/2017 - 10:01
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 25 - 17 10/15/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 25 - 18 10/14/2017 - 10:00
درجة الحرارة المتوقعة في مدينة , لهذا اليوم: 27 - 18 10/13/2017 - 10:00